أخبار عاجلة
الرئيسية / رأي / عندما كنت معلمة – نجوى عبداللطيف جناحي

عندما كنت معلمة – نجوى عبداللطيف جناحي

أسندت رأسي إلى مقعد المسؤولية ويا لهف فؤادي من هذا المقعد، فمن يتبوأه يصبح محل المساءلة دائما، وأضيف إلى اسمي كلمة (سعادة) فودعت راحة البال والسعادة، فعلَّلت نفسي قائلة لها: لا بأس فسأتعلم من خلال هذا المنصب الجديد وأضيف لخبراتي، فاستعرضت في ذهني ما تعلمته من خلال الوظائف التي شغلتها من قبل، فأدركت أنني أكثر وظيفة تعلمت منها هي وظيفة التدريس، فقد عملت معلمة في المرحلتين الإعدادية والثانوية لعدة سنوات، تعلمت خلالها الكثير، واكتسبت مهارات لم أتعلمها من خلال أي وظيفة أخرى، تلك المهارات والخبرات أضافت إلى تكويني وأسهمت في صياغة شخصيتي.
فعندما كنت معلمة حفظت أسماء العائلات في بلادي من خلال تعاملي مع مئات الطالبات سنويا، وعرفت سمات كل عائلة، فتلك العائلة محافظة، وأخرى منفتحة، وعائلة تربي أبناءها على الطموح، وتلك العائلة يشيع بين أسرها التصدع الأسري، وتلك العائلة لا تهتم بتعليم أبنائها، وعرفت الأماكن التي تقطنها كل عائلة، وعرفت من هي العائلات التي تتصاهر مع بعضها البعض، بل إنني عرفت أصول تلك العائلات، وغيرها من السمات والخصائص التي تتصف بها كل عائلة، وهنا تذكرت ذاك العلم المنسي، وهو علم الأنساب الذي كان يهتم به أجدادنا، لكننا هجرنا هذا العلم، وعرفت أهميته وكيف يؤثر على طريقة تعاملنا مع الناس.
عندما كنت معلمة تعلمت أن أضع ميزان العدالة أمام عيني طوال اليوم، فالمعلم يحتاجه عندما يصحح اختبارات الطلبة ويرصد درجاتهم، وعندما يقيم مشاريعهم التي يقدمونها للمعلم، وكذلك خلال الموقف التعليمي عليه أن يقيم ميزان العدالة في تقييمه لتفاعل الطلبة في الصف، بل وحتى في توزيع فرص المشاركة بينهم، وفي توزيع اهتمامه بالطلبة كأن ينوع في مكان وقوفه، ويوزع نظراته بينهم بعدالة، ويقيم ميزان العدالة عندما يشرف على أنشطة الطلبة الصباحية، وخلال اليوم الدراسي، وبعده. فالمعلم يظل مطالبا بالإنصاف في كل لحظة خلال اليوم الدراسي، لتصبح العدالة والإنصاف صفة من صفاته التي تلازمه طوال حياته، وهاجسا يشغل باله.
عندما كنت معلمة تعلمت فن مخاطبة الجماهير، فالمعلم يخاطب أعدادا كبيرة من الطلبة، وعليه أن يستخدم لغة تتناسب ومختلف العقول والرغبات والاحتياجات، وعليه أن يتقن فن التأثير في القلوب، وأن يتقن فن التحكم في نبرة صوته لتساعده على إيصال المعاني إلى عقول وقلوب طلابه، وأن يتقن فن النقاش والحوار والمناظرة والإقناع، وفنون الاستماع، والتعبير بلغة الجسد، وإيصال الرسائل للآخرين بتعابير الوجه، بل وجميع فنون التواصل بدءا من الكتابة وانتهاء بالتواصل الجسدي كالطبطبة على الكتف والمسح على الرأس؛ حتى يصبح فن التواصل مع الناس، والصبر على التواصل مع أعداد كبيرة ولمدة طويلة من الناس سليقة وصفة لدى المعلم، فلا يعاب قط من لقاء الجمهور. وبطبيعة الحال، تصبح لديه قدرة على الارتجال في إلقاء الكلمات في المناسبات وأمام وسائل الإعلام، وكناطق رسمي للمؤسسة التي يعمل بها.
عندما كنت معلمة تعلمت أن أكون قدوة فأحرص على الالتزام بالقِيَم والمبادئ والحفاظ على العادات والتقاليد والأعراف، وفي الوقت نفسه، لا أنزعج من انتقاد الآخرين. فالطلاب بطبيعتهم ينظرون إلى المعلم بعين الراصد الناقد، فهم يطالبونه بالمثالية ويقتدون به، وفي الوقت نفسه يرصدون جميع تصرفاته، سواء مظهره وطريقة لبسه، وحركاته، طريقة حديثه ولهجته في الكلام، وبالطبع أقواله وأفعاله، فينصبون أنفسهم قضاة، والمعلم هو المتهم، فيحرص المعلم على أن يكون قدوة، وأن يكون ملتزما بالقِيَم والعادات والمبادئ. وبطبيعة الحال، لا بُدَّ من صدور أخطاء وتقصير من المعلم بحكم بشريته، وهنا لا مناص من أن تُسلط عليه سهام النقد من الطلاب، فيتعلم المعلم كيف يتحمل تلك الانتقادات والتعليقات الساخرة، وكيف يتعامل معها، وكيف يواجهها، فيصبح إنسانا صلبا جلدا قادرا على الصمود أمام الأعاصير.
عندما كنت معلمة تعلمت كيف أتعلم، فالمعلم يواجه أسئلة الطلاب الذكية التي كثيرا ما يعجز عن الإجابة عليها، فيضطر للبحث عن الإجابات فيعلم نفسه بنفسه، كما أنه عليه أن يعلم نفسه قبل بدء كل حصة فيُحضِّر لها كي يقف أمام الطلاب بثقة فيقنع الطلاب بما لديه من علم.
وعندما كنت معلمة تعلمت كيف أقود أفواج الطلاب في جميع تحركاتهم خلال اليوم الدراسي. فالمعلم يقود أعدادا كبيرة من الطلبة لتتحرك في نفس الوقت وفي الاتجاه الذي أحدده مثل: دخول الفصول والخروج منها، والتنقل في المدرسة بين الفصول وساحاتها ومرافقها، فيكتسب قدرة قيادية مميزة قد لا تتاح لأي موظف آخر.
وهنا أدركت أن ما تعلمته عندما كنت معلمة من مهارات وسلوكيات وقِيَم ألتزم بها، ساعدتني لكسب ثقة المسؤولين، وتقلُّد تلك المناصب، وأدركت لماذا تقدر بعض الدول المتقدمة المعلمين؟ لأنهم يكتسبون تلك المهارات من خلال مهنتهم، واكتشفت أنني خلال عملي معلمة أنني لم أكن سوى متعلمة شأني شأن باقي الطلبة، فأنا وطالباتي كنا نتعلم معا.

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية متخصصة في التطوع والوقف الخيري .

شاهد أيضاً

كيف تكون معلما مبدعا ؟- محمد البستاوي

يعرف الإبداع على أنه القدرة على الإتيان بأمر جديد في أي مجال من مجالات العلوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *