أخبار عاجلة

 فتيات اليمن.. خارج أسوار التعليم

شبكة أخبار التعليم/ هناء عبد ربه

تجلس فاتن أحمد (اسم مستعار) على حجر بجانب المدرسة التي تعمل فيها منذ ما يقارب 15 سنة، بانتظار الباص الذي يقلها برفقة بعض زميلاتها إلى بيوتهن بعد انتهاء اليوم الدراسي. تلك هي اللحظة التي شرعت فيها بالحديث  عن حياتها كمعلمة وجامعية في المدرسة التابعة لقريتها، الواقعة في محافظة شبوة جنوب شرقي اليمن.

التحقت هذه الفتاة بمهنة التعليم عن حب وقناعة كبيرة، ظنًّا منها أن واقعًا سيتغير للأفضل، وأن تطويرًا ما سيحدث في المدارس الريفية التي تعاني إهمال الجهات المسؤولة وقلة الكوادر التعليمية، لكنها صدمت وما زالت الصدمات تتوالى عليها إلى الآن. تقول: “منذ أن بدأت في التدريس كان الواقع مغايرًا لما وصلنا له الآن، وكأن الوضع بدلًا من أن يتحسن، يتخذ أسلوبًا أسوأ، يرجع للوراء ويتدهور”.

تتعرض اليمن منذ قرابة سبع سنوات، لتدميرٍ متناهٍ للعملية التعليمية فيها، فمنذ الانعطافة الكبرى للحرب في 2015، شهد التعليم انتكاسة على كل المستويات، لا سيما أنه من قبل الحرب لم يكن بالجيد، ولكن على الأقل، كانت جودته وهيبة المعلم أفضل من الآن بكثير.

تستأنف فاتن سرد حكايتها لـ”خيوط”: “كثيرًا ما يحدث أن نتعرض لظروف خارجة عن سيطرتنا أنا وزميلاتي، كأي إنسان طبيعي، وحين نطلب إجازات، وهو حق لنا، يتم رفضها من مكتب التربية، بالرغم من أن الأمر لا يستحق كل هذا التعقيد”. وتصف هذا الرفض، ابتداء من إدارة المدرسة إلى مكتب التربية المسؤول عن المنطقة، بـ”العمل القمعي” المتوافق عليه بحقها وزميلاتها، وهو ما يدفعها كما تؤكد، للتغيب، وبالتالي يتم الخصم من راتبها.

لهذه المعلمة زميلة أحبت أن تكمل تعليمها الجامعي، كما تروي فاتن، وبدأت فعلًا بالالتحاق بالجامعة بعد حصولها على قرار تفريغ من مكتب التربية، لكنها تفاجأت نهاية الشهر الأول لتفريغها بأنها مخيرة بين أن تستلم الراتب وتعود للتدريس، أو أن تحرم منه وتكمل تعليمها الجامعي. “هذا بالطبع ظلم”، تقول فاتن أحمد لـ”خيوط”، وتعتبره إجراءً تعسفيًا لمنع المعلمات في الريف من تطوير أنفسهن، كما تصفه بـ”الإذلال” حين يتم مساومتهن على الراتب الذي لا يتجاوز 70$ بسعر الصرف الحالي، مقابل رغبتهن بتأهيل أنفسهن في التعليم العالي.

الفتاة والتعليم

في الوقت الذي تحتاج فيه اليمن لكل أبنائها، لإحداث تغيير إيجابي ملحوظ يدفع حركة السلام للأمام، والاحتياج الشديد لكل الدماء الشابة في سوق العمل، وتحدي الظروف التي تمر بها البلاد في كافة المجالات، يوجد هناك عنف من نوع آخر يمارس بحق فئة كبيرة من فئات المجتمع، وهن الفتيات، والحرمان من التعليم الذي يفرض عليهن من قبل أولياء أمورهن، لأسباب تتعلق بالعادات والتقاليد في الغالب، وثقافة العيب.

لهذه الممارسات التي تنتهك حق الفتيات بالتعليم الذي أقر في القانون اليمني، الأثر السلبي الكبير الذي يشكل ضغطًا شديدًا على البلاد التي تعاني في الأساس من تدهور اقتصادي حاد ونقص في الموارد البشرية التي يحتاجها سوق العمل، وبالتالي يسبب وقوف البلاد على قدم واحدة وترك القدم الأخرى للهواء، فراغًا كبيرًا تتذوق مرارته الكثير من الأسر في اليمن، تحديدًا من اعتمدوا على الذكور للإعالة وهيّؤُوا لهم الفرص، وبالتالي فقدوا المعيل في ظل استمرار الحرب، وفي ظل الأزمة الاقتصادية وقلة فرص العمل، واضطرار النساء للبحث عن عمل دون تأهيل مسبق لتقليص حجم الأزمة التي تعاني منها الأسرة، وهو ما يعتبر أمرًا مستحيلًا ومعقدًا في وضع كهذا، وإن توفرت تلك الفرص، فهي بحاجة لمتعلمين تجاوزوا مراحل الثانوية والجامعة.

على الرغم من صدور القانون العام للتربية والتعليم رقم 45 لسنة 1992 في القانون اليمني، الذي يعتبر التعليم حقًّا مكفولًا لكل أفراد المجتمع اليمني، إلا أن هناك إحصائيات تشير إلى عدم المساواة في تعليم الجنسين وأن نسبة التحاق الفتيات أقل بكثير من التحاق الفتيان. ولعل من أسباب ارتفاع نسب عدم المساواة في التعليم بين الجنسين، هو الزواج المبكر للفتيات على وجه الخصوص، وهي الآفة الأكبر التي يعاني منها المجتمع اليمني، وما زالت انتهاكات الحق بحياة طبيعية للفتيات، تمارس بتصاعد خطير على مستقبل المجتمع، وتاليًا البلاد عمومًا.

قصة من الواقع

هيفاء محمد، فتاة قاصرة في الـ15 من عمرها، حرمت من دراسة الثانوية العامة بسبب رفض أسرتها لفكرة إكمال تعليمها. تقول هيفاء لـ”خيوط”: “في بداية العام الدراسي هذا (2020/ 2021)، كنت مستعدة على أكمل وجه للمرحلة الجديدة في حياتي، وهي الثانوية. كنت أشعر طوال الفترة التي جلسنا فيها بالمنزل بسبب كورونا، بحماس شديد، ومع بداية العام الدراسي، أخبرت عائلتي بأنني أريد أدوات مدرسية وملابس جديدة، أستفتح بها عامي ومرحلة الثانوية التي ظلت حلمًا يراودني وأخيرًا تحقق، لكن ردة فعلهم صدمتني. فقد أبلغوني بأن علي أن أنسى فكرة الإكمال، مساواة ببنات العائلة اللواتي غادرن مقاعد الدراسة في مراحل مبكرة”. أخبروني بأن المساواة فيما بيننا حتمية ولا يوجد هناك مجال لتغيير قرارهم، ومع أني فعلت كل ما بوسعي لأثني عائلتي عن قرارهم المجحف بحقي، إلا أني قوبلت بالرفض، لذلك استسلمت للأمر الواقع؛ عدت أمارس الطبخ وتنظيف المنزل والنوم لساعات طويلة في النهار”.

وتضيف هيفاء: “ربما الحياة منعتني الآن من إكمال تعليمي، لكنني لن أسمح لبناتي في المستقبل أن يعشن ما عشته أنا وبنات أسرتي، ولن يكون مصير بناتي البيت والمطبخ والزواج فقط، مثلنا”!

التعامل مع المرأة وكأنها عنصر يحتاج لاتخاذ القرار نيابة عنه، والتحكم بحياته وتحريكها وتدويرها بالطريقة التي تناسب أولياء أمرها، هو أشنع صورة للعنف بحق إنسانية المرأة وأشنع فعل يشجع طبيعة الإنسان على زيادة الانتهاكات بحق المرأة، وهو جهل يشجع عليه المجتمع جيلًا بعد آخر، وجهل كبير بدور المرأة في المجتمع التي لا تنحصر أدوارها في البيت والزواج والأمومة. وكما هو ملاحظ في اليمن، فإن ممارسات كهذه لا تقتصر على الأرياف فحسب، بل حتى المدن التي يجب أن تكون مثالًا للتحضر بجوهره الحقيقي، لا الشكلي. وهذا ما هو شائع في مجتمعنا اليمني الكبير.” خيوط  “

شاهد أيضاً

المحطو ري : تلتقي بفريق الخبراء الدوليين المعنيين باليمن

شبكة اخبار التعليم / صنعاء  التقى الفريق الوطني اليوم عبر النت بفريق الخبراء الدوليين الإقليميين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *