أخبار عاجلة

توظيف مستحدثات التقنية في التعليم

كتب – سارة عبد الله آل مانع
مقدمة

يشهد العصر الحالي تطورا علميا وتقنيا متسارعا في كافة المجالات، وبشكل خاص مجال التعليم؛ الأمر الذي يستوجب على المؤسسات التعليمية مواكبة هذا التطور، واستحداث وسائل وأساليب تعلم وتعليم تتماشى مع مستحدثات التقنية بشكل فعّال ومبتكر.

فقد سعت أغلب الدول والنظم التعليمية المتقدّمة لمواكبة التقدّم التقني، وهذا يتّضح من خلال ما تحقّقه رؤية المملكة 2030 والتي اهتمت التحوّل الرقمي في التعليم، والموائمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وتزويد الطلاب بالمعارف والمهارات اللازمة لوظائف المستقبل (رؤية المملكة 2030، 2016م). ومن المتوقع أن تنمو الوظائف التي تتطلب مهارات التقنية من 1.9 مليون إلى 4,4 مليون في عام 2017م (Big Data Jobs Index, 2016).

مفهوم توظيف مستحدثات التقنية في التعليم
توظيف مستحدثات التقنية في التعليم يعني دمج الأجهزة والوسائل الإلكترونية الحديثة في الموقف التعليمي من أجل تحقيق الأهداف وزيادة فاعلية وكفاءة العملية التعليمية ورفع مستوى مشاركة المتعلم الإيجابية في هذه العملية (سليم، 2017 م، ص230).

ويعرف شعيب ومنصور (2018م) توظيف مستحدثات التقنية في التعليم بأنها “التخطيط والتصميم والتنفيذ لاستخدام مهارات مستحدثات تكنولوجيا التعليم حسب الحاجة التعليمية إليها وفي الوقت المناسب من الموقف التعليمي وبشكل متكامل ومتفاعل مع مصادر التعلم الأخرى حسب خطة نظامية مدروسة استخداما فعالا بهدف تحسين التعليم والتعلم” (ص106).

مبررات توظيف مستحدثات التقنية في التعليم
تم استخدام مستحدثات التقنية في المجال التعليمي لمواكبة التقدم الحادث في العصر الحالي، وهناك مجموعة عوامل دعت إلى اللجوء لاستخدام وتوظيف مستحدثات التقنية في مجال التعليم من أبرزها كما ذكرها كل من (التودري، 2009م، ص92-94 ؛ قطيط،2015م، ص134-137):

التطور الملموس في العلوم التربوية: فقد شهدت العقود الثلاثة الأخيرة تقدما ملموسا وانفجارا معرفيا ملحوظا في مجال العلوم السلوكية والتربوية، حيث ظهرت العديد من النظريات والرؤى التربوية الجديرة بالاهتمام، والتي مهدت لظهور بعض العلوم الجديدة في المجال التربوي ومنها على سبيل المثال: علم التعليم science of instruction، وعلم تصميم التعليم situational design science of instruction وغيرها مما يستدعي الأمر البحث والتفكير في كيفية استثمار هذه المعرفة وتوظيفها لتطوير العملية العلمية بكافة عناصرها ورفع عناصرها ورفع مستواها الكيفي، وهو ما قد يتحقق من خلال توظيف المستحدثات التكنولوجية على أسس منهجية سليمة.
تطور التقنيات الحديثة في الجانب المادي والجانب الفكري: لقد أدى التطور المذهل في الجانب المادي والجانب الفكري للمستحدثات التكنولوجية إلى ضرورة تحديث المنظومة التعليمية ورفع كفاءتها من خلال إدخال التقنيات الحديثة في العملية التعليمية على أسس علمية سليمة.
أزمة التجديد التربوي: هناك أزمة تلوح في أفق معظم الدول العربية تتجلى في ضعف مخرجات النظام التعليمي وخاصة المخرجات البشرية، والتي لم ترق بعد لمستوى طموحات هذه الدول في مواجهة عصر العولمة والثورات المعرفية والتكنولوجية كطوق نجاة يمكن من خلاله رفع مستوى النظام التعليمي وتجوید مخرجاته، الأمر الذي قد يسهم في خلق جيل قوي قادر على مواجهة تحديات هذا العصر.
الانفجار السكاني والمعرفي: النمو المطرد لأعداد المتعلمين وعدم قدرة المؤسسات التعليمية على استيعاب هذه الأعداد المتزايدة، فضلاً عن الانفجار المعرفي والتقني الهائل، وقد أدى ذلك إلى ضرورة استخدام مستحدثات تقنيات التعليم في المنظومة التعليمية.
الفروق الفردية بين المتعلمين: تستطيع النظم التربوية تجاوز إشكالية الفروق الفردية من خلال اللجوء إلى استخدام مستحدثات التقنية في التعليم، لما توفره هذه المستحدثات من مثيرات متعددة النوعية وعرضها لهذه المثيرات بطرق وأساليب مختلفة تتيح للمتعلم فرص اختيار المناسب منها والذي يتفق مع قابليته ورغباته.
نماذج واتجاهات حديثة في مستحدثات تقنيات التعليم
أولاً: نماذج مستحدثات تقنيات التعليم
مرت تقنيات التعليم بمراحل متنوعة عبر العصور المتعاقبة من حيث المفهوم، والهدف والوسيلة، والأسلوب، والاستخدام، أيضا تباينت وسائل التعليم من حقبة زمنية إلى أخرى، حتى وصلت إلى ماهي عليه في العصر الحالي، عصر الكمبيوتر والإنترنت والتعليم الافتراضي.

ومن بعض النماذج التي ذكرها (الصالح، 2017م، ص23) لمستحدثات تقنيات التعليم ما يلي:

التعلم الإلكتروني والتعلم المدمج.
تنفيذ نشاطات التعلم المعتمدة على المشروع من خلال المصادر التقنية.
التعليم المعتمد على الألعاب والمحاكاة.
التعلم المتنقل من خلال الهواتف الذكية والأجهزة المحمولة.
المشاريع والبحث والاستكشافات المعتمدة على الويب.
إنتاج الملفات الصوتية والفيديو وعروض الشرائح.
استخدام الوسائط الاجتماعية لإشراك المتعلمين.
ثانياً: اتجاهات حديثة في مستحدثات تقنيات التعليم
شهد العصر الحالي تطورات تقنية عديدة ناتجة عن التقدم العلمي الكبير، وكانت محصلتها ظهور بعض الأدوات التقنية المتطورة في كافة مجالات العلم، وكان من الطبيعي أن تحاول التربية استثمار تلك المستحدثات من أجل تطوير التعليم وتحقيق الأهداف التربوية المعاصرة، و تغير المفاهيم والأدوار الراسخة بما ينسجم وهذه التطورات، ومن أمثلة الاتجاهات الحديثة:

الواقع المعزز (Augmented Reality): ذكر خميس (2015م) أنها تكنولوجيا ثلاثة الأبعاد تدمج بين الواقع الحقيقي والواقع الافتراضي، ويتم التفاعل معها في الوقت الحقيقي، أثناء قيام الفرد بالمهمة الحقيقية. ومن أهم مبررات استخدامها في التعليم هو: تحفيز الطلاب لاكتشاف المعلومات بأنفسهم، وزيادة دافعية المتعلمين، وتوفير بيئة تعلم مناسبة لأساليب تعلم متعددة، تساعد في تعلم مواد دراسية لا يمكن للمتعلم إدراكها بسهولة إلا من خلال تجارب واقعية. وقد طبقت عمادة التعلم الإلكتروني والتعليم عن بعد بجامعة الملك عبد العزيز بجدة الواقع المعزز باستخدام تطبيق (Aurasma) لتصميم ونشر دليل إرشادي لخدمة الطالب الجامعي على الهواتف الذكية.
الحوسبة السحابية (Cloud Computing): طريقة حاسوبية يتم من خلالها توفير كمية هائلة من الكفاءات المتعلقة بتكنولوجيا المعلومات كخدمة مقدمة عبر الإنترنت لتتم مضاعفة أعداد العملاء الخارجين. ويمكن تعريفها بإيجاز بأنها نموذج تقني ناشئ يتم من خلاله توفير التطبيقات والبيانات و موارد تكنولوجيا المعلومات كخدمات مُقدمة للمستخدمين عبر شبكة الإنترنت. ومن أمثلة لأهم التطبيقات التربوية والتعليمية للحوسبة السحابية، نذكر: خدمة Google Apps، خدمة Sky Drive (كلو، 2015م، ص34).
التعلم النقال (Mobile Learning): التعلم المتنقل أو التعليم النقال هو مصطلح لغوي جديد يشير إلى استخدام الأجهزة المحمولة في عملية التعليم، هذا الأسلوب متعلق إلى حد كبير بالتعليم الالكتروني والتعليم عن بعد، ويركز هذا المصطلح على استخدام التقنيات المتوفرة بأجهزة الاتصالات اللاسلكية لتوصيل المعلومة خارج قاعات التدريس، حيث وجد هذا الأسلوب ليلائم الظروف المتغيرة الحاصلة بعملية التعليم التي تأثرت بظاهرة العزلة. ويمكن تحقيق ذلك باستخدام الأجهزة النقالة والمحمولة، على أن تكون كلها مجهزة بتقنيات الاتصال المختلفة اللاسلكية والسلكية على حد سواء مما يؤمن سهولة تبادل المعلومات بين الطلاب فيما بينهم من جهة وبين الطلاب والمحاضر من جهة أخرى (شلبي وآخرون، 2018م، ص ص 435-436).
التلعيب (Gamification): (عرّفهاHuang, 2013) بأنها سلسلة من مبادئ التصميم والعلميات والنظم المستخدمة للتأثير، وإشراك تحفيز الأفراد والمجتمع لدفع السلوكيات وإحداث النتائج المرجوة، حيث يتم استخدام تقنيات وميكانيكية ألعاب الفيديو لزيادة التفاعل والاهتمام في نشاط ما، والذي يكون عادة غير مرتبط بألعاب الفيديو. وإن أهم أهداف الاستعانة بالألعاب في التربية هو أنها تسهم في زيادة مهارات الطلاب وتشجعهم على تنفيذ الخطوات على الويب كل حسب إمكاناته، بالتالي يساعدهم على استيعاب النظام التعليمي الإلكتروني، والقدرة على التعلم في أي وقت وأي مكان.
التوجهات الحديثة للملكة العربية السعودية حول استخدام التقنية في التعليم
أطلقت وزارة التعليم عدة مبادرات لأداء الدور المنوط بها لتحقيق أهداف الرؤية، حيث تقدمت وزارة التعليم بعدة مبادرات تطويرية تتوافق مع خطة المملكة للتحول الوطني، والتي كان من أبرزها مبادرة “التحول نحو التعليم الرقمي لدعم تقدم الطالب والمعلم”، ومبادرة العمل على “تحسين البيئة التعليمية المحفزة للإبداع والابتكار”. ويحدد البرنامج عدداً من مجالات التحويل الرقمي لدعم مبادرات NTP، بما في ذلك خمس منصات رقمية مشتركة، و 29 مبادرة رقمية أساسية للقطاعات الرئيسية، وعدد من الأصول الرقمية الوطنية التي يمكن تطويرها لدعم التحول الرقمي الحكومي (وثيقة التحول الوطني 2020، 2016م، ص 104).

وأشار ملتقى الحاسب الآلي لإدارات التعليم في المملكة (2018م) والمقام في تبوك، وذلك لتطوير مهارات البرمجة ودورها في تنمية مهارات الطلاب ليتمكنوا من مهارات القرن 21، حيث أوصى مسؤولو الحاسب الآلي في إدارات التعليم، بضرورة إدراج مادة الحاسب الآلي في المرحلة الابتدائية، وزيادة حصة دراسية في المرحلة المتوسطة، مما يسهم في تحقيق رؤية المملكة 2030 لتتوافق مع مبادرة التحول الرقمي لوزارة التعليم، واعتماد تدريس الطلاب على أجهزة الروبوت التي تعمل على نظام (Arduino) لحل مشكلة (Robomind) التي ستواجه المدارس في مقررات الصف الثالث المتوسط للفصل الدراسي الثاني.

وذكرت تهاني الديسماني (2018م) إن من ضمن هذه الاستراتيجيات المقترحة والمتوافقة مع توجهات التعليم الالكتروني المستقبلية والتي تستهدف المساهمة بتحقيق بعض مبادرات وزارة التعليم للتحول الوطني استراتيجيات وأفكار عملية لدمج تقنية التعليم الرقمي المصغر Micro-Learning في نظم إدارة التعلم الإلكتروني كتقنية تدعم مبادرة الوزارة للتحول الى التعليم الرقمي، وكذلك تفعيل أسلوب التعلم الرقمي المتمركز حول الفرد (Online Personalized Learning) كاستراتيجية تدعم مبادرة الوزارة لتحويل التعليم إلى عملية تتمحور حول المتعلمين لتنمية قدراتهم لمواجهة تحديات الحياة، وأخيراً استراتيجيات وأفكار عملية لدمج أسلوب التعلم التلعيب (Gamification) كاستراتيجية تدعم مبادرة الوزارة لتحسين البيئة التعليمية المحفزة للإبداع والابتكار.

بالنظر إلى مراحل توظيف التقنية في العلمية التعليمية بالمملكة، يُلاحظ التدرج في استخدام التقنية والتقدم والتطور فيها، حيث أن درجة استخدام المستحدثات التقنية كانت في بدايات ظهورها متدنية ثم ارتفعت إلى متوسطة ثم إلى درجة مرتفعة كما أظهرتها الدراسات الحديثة، ولعل ذلك يعود إلى اعتبارها متغيرات أو بدائل ثقافية تُقابل في البداية بالرفض والمواجهة وعدم القناعة ثم بعد ذلك ترتقي إلى أن تصبح من خصوصيات الثقافة ويبدأ المعلمون والطلاب في استخدامها، ثم تتولد لديهم قناعات بأهميتها وجدواها إلى أن تصبح من عموميات الثقافة في مرحلة متقدمة، ولعلّ طبيعة العصر الحالي والتغير التقني والمعرفي ورؤية المملكة 2030 جميعها كانت من أحد أسباب توظيف مستحدثات التقنية في التعليم.

تعليم جديد

شاهد أيضاً

تطبيقات هرم بلوم الرقمي

كتب – عزة وادي يعتبر هرم بلوم من الأساسيات التي تقوم عليها عملية التدريس، فهو يعرف بعلم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *